جلال الدين السيوطي

201

الأشباه والنظائر في النحو

فأجيب بأن قيل له : أبديت عوارك لمناظرك وأبرزت مقاتلك لسهام مناضلك ، إنّ هذه اللفظة تروى على أوجه مختلفة وجميعها يرجع إلى أصل واحد وعدة أوجهها أربعة : يروى : من جمع مالا من مهاوش بالميم ، وهذه هي المشهورة عند العلماء باللغة ، ويروى من تهاوش بالتاء وكسر الواو وقد صححوه أيضا ، ويروى من تهاوش بالتاء وضمّ الواو ، وهو صحيح أيضا ، ويروى من نهاوش بالنون وكسر الواو ، وهذه هي التي أنكرها أهل اللغة ولم يثبتوا صحّتها ، والظاهر من كلامهم أنّها من غلط الرواة ، وجميع ذلك على اختلاف الرواية فيه يرجع إلى أصل واحد وهو الهوش الذي هو الاختلاط ، فليس الإشكال في نهاوش من جهة تفسيرها كما ظننته ولا من جهة كونها جمعا لواحد لم ينطق به ، ألا ترى أنّ مهاوش ونهاوش هما بمعنى الاختلاط ، وكلاهما جمع لم يستعمل واحده ؟ وإنّما المشكل في هذه اللفظة هل هي صحيحة في الاستعمال معروفة عند أهل اللغة أو هي على خلاف ذلك ؟ فهذا الذي كان حقك أن تبيّنه وتثبت صحته ، وإذا صح فسرت حقيقة معناها واشتقاقها ، وبينت هل هي جمع أو مفرد وما الزائد منها وما الأصل ، فأمّا قولك في نهابر : إنه مشتق من الهبر وهو القطع المتدارك فليس ذلك بالمعروف عند أهل اللغة ، وإنما هو مستعار من النّهابر والنّهابير وهي تلال الرمل المشرفة ، فسمّيت المهالك نهابر من ذلك ، ولذلك قال عمرو بن العاص لعثمان بن عفان رحمه اللّه : « إنّك ركبت بهذه الأمة نهابر من الأمور فتب عنها » أراد أنّك ركبت بهذه الأمة أمورا شاقة مهلكة بمنزلة من كلّفهم ركوب التلال من الرمل ، لأنّ المشي في الرمل يشقّ على من ركبه ، وقولك : « إن واحد النهابر نهبر وإن لم ينطق به » ليس بصحيح ، بل الصحيح أن واحدها نهبور على ما ذكره أهل اللغة ، لأنّهم جعلوا النّهابر التي هي المهالك مستعارة من النّهابر التي هي الرمال المشرفة وواحدها نهبور ، وأسأت العبارة بقولك : « لا يعرف جهات حلّها وحرمتها » ، وكان الصواب أن تقول : وحرمها ، لأنه يقال : حلّ وحلال وحرم وحرام ، وأخطأت أيضا في تنظيرك نهاوش في كونها جمعا لواحد لم ينطق به بقولهم : ملامح وأباطيل ، وكان حقك أن تنظرها بعباديد ونحوها ممّا لم ينطق له بواحد من لفظه ولا من غير لفظه ، ألا ترى أنّ ملامح لها واحد مستعمل من لفظها وهو لمحة ، وكذلك أباطيل واحده المستعمل باطل ، وكذلك مشابه واحده المستعمل مشبه ، وإن كنّا نقدّر أنّ واحد الجموع من جهة القياس ليس هو هذا المستعمل ، إلّا أنّه وإن كان الأمر على ذلك فلا بدّ أن يقال : إنّ هذه الآحاد لهذه الجموع وإنّ هذه الجموع لهذه الآحاد من جهة الاستعمال ، ألا ترى أنّ أبا عليّ الفارسيّ قال في كتابه العضدي : « هذا باب ما